20 أكتوبر، 2008

سلمــان الكعبوري

كان سلمان يمثل البلاهة في أبهى معانيها، لذلك كنا نحبه، وكنا نتساقط ضاحكين لمجرد رؤيته
سلمان لم يكن بدينا، ولم يكن نحيلاً، ولم يكن بين بين، بل كان متفرداً، كان كعبوري الشكل، ورغم أنه يصعب علينا شرح الكعبرة، وأفضل شرح لها أن ترى بالعين المجردة، لكن لتقريب الصورة للأذهان، نقول: أنك حين تراه، ترى نصفه الأعلى بديناً ذا كرش، بينما ساقاه نحيلتان بشكل مريب
سلمان الكعبوري لم يضجر قط من مزاحنا، لم يثر قط من تندرنا عليه، لا لبلادة في الطبع، بل لرقة في القلب، وبلاهة عذبة في الوجدان
حين كان يمر عليه علي بسيارته الفيت القذرة على حد تعبيره ، كان سلمان يطل بكعبوريته من شرفة منزله في الطابق الثالث، ليصرخ فيه ضاحكاً: "علي عليوه يالي ضرب الزوميره يالي زومرتك بمبي ياللي"، ثم يتباطأ في النزول، لا عمداً بل طبعاً وتكويناً وبلاهة في آن،وكان علي يقسم في كل مرة ألا ينتظره ثانية، ثم ينتظره ألف مرة بعدها مع ألف قسم آخر ،وألف ألف سبة ولعنة أخرى
سلمان كان أحياناً يختفي عن الأنظار، حتى نظن أن لا عودة، وحين نسأله يجيب: رزقت قطتي بخمس قطط ، نقول ضاحكين ثم: يقول هذا يكفي
وحين يعود نسأله : يجيب عصفور فر من القفص، وكنت حزيناً عليه
وحين يعود مبتسماً كونه تجاهل نداءات علي وسبابه يقول : "مهوه أصله لو كان يبطل شتومه كنت نزلت" ثم يضحك في طفولة حالمة
سلمان كان يصر أن يلعب معنا في الفريق، وكان هذا أمراً مستحيلاً بكل المقاييس، فكعبوريته لا تقف حائلاً وسداً منيعاً لأن يلعب فقط، بل قد تمتد لتقف حائلاً لأن يشاهد ويشجع، لكن حين بكى سلمان كالأطفال، نعم حدث حين رفضنا أن يشارك، قررنا بالإجماع أن يكون حارساً لمرمى الفريق، وحين اصطدمت رأسه الكعبورية بالقائم، ضج الملعب ضحكاً ، حتى سلمان قام مسروراً بعدما أنقذ هدفاً وإن اصطدمت رأسه،وإن مليت شباكه بسبعة أهداف لا مرد لهم
سلمان راح يشرح لنا في بلاهة، أنه لم يكن السبب في الهزيمة ، وأنه ضحى برأسه فداء للمرمى ، مما أدى إلى ثورة غضب عارمة من طارق، أدت إلى اختفاء سلمان لمدة طالت، وإن عاد
عاد سلمان ليخبرنا أنه اكتشف أن طارق يشبه الفأر تماماً ، لم يكن سلمان يضحك هذه المرة،بل كان يتحدث بثقة الباحث العلمي المتيقن من نتائج بحثه, وأصبح طارق يلقب بالفار
لكننا جميعاً حين باغتنا سلمان قائلاً : لقد أعددت العدة للسفر، لم نفهم قصده، بل لم نعر كلامه مصداقية، بل لم نصدق
وحين تكررت نداءات علي بسيارته الفيت القذرة، وتمكن اليأس من قلوبنا، ولم يعد الأمر غياباً يطول ثم عودة، جاء النبأ عبر رسالة خليجية المصدر لهاتف طارق المحمول يقول فيها سلمان: أنا هنا أيها الفأر ، ويضحك كأنا نراه، مفتقدكم جميعاً، سلامي للجميع
كم من السنين مرت لا أدري، وفر منا شبابنا، لكن سلمان لم يعد يطل، ولم يعد يعود
وحين عاد محمولاً من هناك ، صرخنا في حرقة وبكينا ، وقت لا ينفع بكاء، كم كنا نحبك يا سلمان

12 أكتوبر، 2008

والله إن في القلب روحاً

كل منا وقح في داخله وإن ادعى ، هكذا تحدثت صراح ، تلك الفتاة النجيبة الجميلة، قالت وهي تبصر طائراً يفترس صاحبته : الأمر ليس متعلقاً بالرغبة فقط،، الأمر يا صديقي متعلق بقانون الغابة
كانت تنظر في شبق أنثوي مغر، ابتسمت، في جراءة مذهلة قالت: أنى لي بطائر مفترس
قلت : كل منا ضعيف في داخلة، قالت: ليس ثمة تناقض بين الضعف والوقاحة، التناقض الصارخ يتجلى في الضعف المؤدي للرغبة وفي قوة الافتراس الناتج عنها، أردفت دهشة: وكأن في رحم الضعف قوة
كان نفط الشمس قد أوشك على النفاد ، فخشيت ألا تدرك الأقطار، فلاذت بالفرار، وحين أطل الليل البهيم، اختبأت قطتي أسفل الغطاء الحريري، لم أكن بعد أدرك أبعاد المسألة ، لكني لبيت النداء
حين تسربت إلى أنفاسي رائحة القهوة الصباحية التي تشرب، أدركت أني أجدت الافتراس، لكن داخلي أبى إلا الاعتراف الصريح
قلت: صباحك مشرق ، صاحت ضاحكة وقد بدا نصف ثديها المكور، بينما توارى النصف الآخر صاحت: كل منا يحمل الفحش في أعماقه، قلت بل كل منا يحمل الصراع في أعماقه
قلت: بينما أتابع ثورة القراء على مقالها المنشور، كيف ؟
قالت : أيهما أسبق قلت : الدين
قالت: وهل كان الدين قبل آدم وحواء، تابعت كل منا يحمل النفاق في داخلة
قلت: هو تنظيم لشكل العلاقة إذن، وحين راحت عيني تسترق النظر لنهديها كشفت عنهما وقالت،: لست أنا من أقع في المغالطة ، لكنك لما تزل مثل هؤلاء الرعاع، تقول ما لا تفعل، وتفعل ما لا تقول
لم أرها بعدها دهراً ، لكن ذات صدفة لمحتها في ندوة وقد تكور بطنها، وعلمت فيما بعد أنها أنجبت طفلة
لم نتقابل بعدها دهراً طويلاً لكن ذات موعد جاء وكأنه صدفة، كان الدهر فيه قد لعب لعبته، وسرق منا القوة قلت هامساً: أو تذكرين؟
قالت: وهي توسد شعر حفيدتها،ارفع صوتك ، لم يعد ثمة سر
قلت : الآن هناك طعوم أخرى، ومذاقات أخرى، قالت: صدقت ، قالت : ثمة سر ؟
أومأت متسائلاً ؟
قالت :والله
قلت: مبتسماً أتعرفين الله قالت : نعم والله،ثم أشارت في أعماق كل منا براءة هذه الطفلة
و حين هممت أن أغادر قالت مبتسمة في صفاء اقترب : همست ، لم تكن في ذاك اليوم البعيد، قد أجدت الافتراس
ضحكت
ضحكت
قالت : وقد سمعت صداها ، والأفق غائم حزين، والله إن في القلب روحاً،ثم كان المصير