16 مايو، 2010

للذاكرة حلاوة مرة...

غادر قريتنا في الزمان البعيد عمرو ثم عاد ، وكنت وقتئذ في عالم الذر،
وقال جدي راوياً عن جده: أن عمراً بن لؤي، هو أول من أدخل المذياع قريتنا.
وقال جدي: في قريتنا القديمة، باكورة السذاجة، حيث الفطرة خصبة، لم يمسسها السوء، لم يمسها الشيطان بنصب وعذاب.
أطرق صامتاً ثم تابع:
في قريتنا البعيدة، إجابة عن كل سؤال أو استفسار، إجابة تقول للشيء كن فيكون، فالثمرة هي الثمرة،والبقرة هي البقرة، والحمار هو الحمار، والقمر هو القمر، والشجر كذلك والوديان.
قلت معقباً:
هكذا يتمثل قانون الهوية في أبهى صورة، فيزول التناقض، ويتطابق المنطق تطابقاً تاماً مع روح الأشياء.
تبسم مردفاً:
لا عجب ، أن ترى الأطفال في قريتنا يكلمون الطير والأنعام ، ولا عجب أن ترى الكبار فيها يحاورون الجن، يحدثون الغيلان.
لم تزل في قريتنا العداوة قائمة بين الذئب والغنم، والصداقة قائمة بين الكلب والغنم، لم يزل في قريتنا النهر على حاله عذباً فراتاً، والبحر على حاله ملحاً أجاجاً.
اتكأ الشيخ الهرم على عصاه قائلاً:
لعن الله عمراً بن لؤي، فإني رأيته في المنام وقد صُب فوق رأسه من الحميم.
قلت: كل ذلك كان يا جدي، لا لم يزل قائما.
كبر معاتباً: يا بني للذاكرة حلاوة مُرة.

13 مايو، 2010

الشاب السني ومنكر السنة...

تدرج أحمد مختار ابن الخامسة والثلاثين منتقلا من السلفية المحضة، إلي الإخوانية الصرفة، فالقرآنية منكرة السنة،
كان أحمد مختار ينتظر صديقه في تملل واضح على مقهى عم حسن أبو النور، ولكونه حديث عهد بالمقاهي، فقد بدا عليه الضيق،وحين هم أن يغادر حضر صديقه باهر وبرفقته شاب ملتح، وقبل أن ينطق الغضب البادي على وجه أحمد بادره باهر قائلاً: "آسف آسف، انتظرت الشيخ ناصر، جه معايا مخصوص عشان يفحمك في موضوع السنة، لعلمك الشيخ ناصر مبيحبش زيك زمان يجلس على المقاهي، بس أن أقنعته بالعافية".
انزعج الشيخ ناصر ابتداءً من صوت شرين التي كانت في الغرام دايبه صبابة، فطلب من النادل أن يغلق أو أن يخفت الصوت على الأقل،
فقال النادل في لهجة جمعت بين المتناقضات جميعاً، لهجة جمعت بين التوقير والسخرية والاعتراض والموافقة في آن:"واحد ينسون لعم الشيخ ووطي الصوت وصلحوا"
جلس الشيخ ناصر في مواجهة أحمد بينما جلس باهر في جواره، قال الشيخ موجهاً حديثه لأحمد : تنكرون أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم أليس كذلك؟
أجاب أحمد بحسم: القرآن هو المصدر الوحيد للتشريع.
فقال الشيخ ناصر: ماذا تقول في الصلاة؟
أجاب أحمد: هي فرض من الفروض.
فقال الشيخ ناصر وكأنه عثر على ضالته: أين عدد ركعاتها في القرآن؟
وضع النادل الينسون وكوباً من الشاي وآخر من القهوة، وكانت أذنه قد لمحت سؤال الشيخ فقال مقتحماً الحوار:" متجاوب الشيخ يا عمنا فين بقى عدد ركعات الصلا في القرآن". ثم غادر حتى دون أن ينتظر جواباً.
قال أحمد مختار: الصلاة نقلت إلينا بالتواتر العملي، ولو كان الأمر أمر الروايات، فلا يخلو مذهب من المذاهب بل روايات الفقهاء داخل المذهب الواحد إلا وشكل الصلاة في الروايات المنسوبة للنبي عليه السلام مختلفة، فقلي أنت يا شيخنا إذا كان المصدر واحد ، كيف اختلفت الروايات التي نقلت شكل الصلاة، ثم تلى قوله تعالى: أفلا يتدبرون القران ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا )
رشف الشيخ ناصر رشفة من الينسون وبدا له أنه أمام خصم عنيد وقال أخبرني إذن: وكيف كنت ستعرف دون الأحاديث أن الذهب والحرير حرام على الرجال؟
فأجاب أحمد بكل هدوء : ومن قال أني معترف بحرمتها.
ابتسم الشيخ ابتسامة غيظ مخنوق وقال: صدقت يا رسول الله حين أخبرتنا عن قوم يحلون الحر والحرير والمعازف والخمر.
أشعل باهر سجارة وقال للشيخ : لا تحتج عليه بمحل النزاع يا شيخنا.
فقال الشيخ في تأفف : وماذا تقول في شفاعته صلى الله عليه وسلم؟
قال أحمد: أقول لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت.
فقام الشيخ مغاضباً وقال: لا كتبها الله لك، ثم غادر المقهى ولم يعقب.