3 أبريل، 2008

الخروج من الجنة....

كانت تلك المرة من المرات القليلة، بل النادرة، التي أجلس فيها على المقاهي، بعدما سلكت طريقاً غير الذي كنت أسلكه، فتلك الأماكن لم أعد أحبها ولم أعد أفضلها، دون تكلف لابداء أسباب أو شروح، قد تبدو غير مستساغة لعشاق المقاهي ومرتاديها، وكل ما في الامر أن زوجتي في زيارة لصديقتها التي تسكن أعلى مقهى رمسيس، ولأنها لم تفرغ بعد ويبدو انها لن تفرغ ابداً، من حديثها مع صديقتها، طلبت مني ان انتظر قليلاً، فانتظرت
واحد شاي من فضلك
حاضر يا عم الشيخ
حين رآني أمجد سالم تقدم نحوي، كمن وجد ضالته، ثم جلس على الكرسي المقابل، لتفصل بيننا طاولة تترنح بمجرد اللمس، تبسم، فتبسمت، كاظماً غيظاً قد يتفجر في أي لحظة ، غيظاً من تطفله واقتحامه ، وغيظاً من جدل آت لا محالة، فأمجد كانت تربطني به صداقة وطيدة منذ الطفولة، انقطعت عراها منذ سنوات، بمجرد أن تنحيت عن طريق وعن أفكار كنت وإياه نتبناها
طلبت شيء
طلبت شاي
صرخ منادياً النادل: قهوه سادة
قال ساخراً بخبث مفضل اليه : خذ سيجارة ، ثم قال بجدية ماكرة ، قل لي يا شيخ : في الجنة انهار من عسل ومن خمر أليس كذلك ؟
أومأت برأسي دون أن أنبس
فقال متحدياً قدرتي على الصبر: أظن أن بها علباً من السجائر الفاخرة التي ما ان يشربها المرء لا يظمأ بعدها أبداً، ثم تمهل مخففاً من سخريته، تاركاً للنادل فرصة وضع كوب الشاي وفنجان القهوة وزجاجة المياة المعدنية، التي سكب بعضها بمجرد ان اهتزت الطاولة؛ لاصرار النادل على فتحها خشية ألا تمتد ايدينا اليها
بعد الرشفة الأولى قال بسخرية من يخبئ في صدره هماً يثقله : تعرف يا صديق الطفولة السابق، شيخ الدين محمد بن نصر الدين حالياً، أنكم سبب المصايب اللي في الدنيا كلها، انتم مش ناويين تبطلوا خطب ابداً، يخرب بيوتكم يا أخي زي ما خربتوا بيتي
أخذ نفساً عميقاً وراح يتكلم بحرقة غريبة دفعتني ألا أقاطعه، "مراتي طلبت الطلاق بسببك" . تبسمت مندهشاً
قال وقد طَعم كلامه بسباب يزيد تدريجياً ، قال ايه : اني كافر لأني مبصليش، قال ايه انها لازم تلبس النقاب، طب يا بنت الكلب انا متجوزك وانت مبتصليش ، وانت سافرة ، سافرة زي ما بتقول يا شيخ في خطبك ، انا متجوزها سافرة
تخيل بعد ستاشر سنه بتقولي نطلق
هنا أدركت حجم المشكلة ، وحجم المأزق الذي أنا فيه ، أدركت ان استفزازه لي منذ البداية استفزاز مغتاظ مهموم، لا استفزاز ساخر، لعنت زوجتي في سري ، فهي السبب الرئيس فيما أنا فيه الآن، وقلت أترى أبواب السماء كانت مفتوحة حين دعى، لكنه لم يمهلني حين انفجر باكياً، فتذكرت الطفولة والصبى، تذكرت بعضاً من شبابي الأول، أياماً كنت قد كبتها كي لا تطفو على السطح من جديد، تذكرت أمجد الانسان الطموح، أمجد الثائر اليساري القديم ، تذكرت نادية زميلتنا الرائعة ، التي تمنينا جميعاً ان تكون لنا زوجه ففاز هو بقلبها وفازت هي به
حين انفجر باكياً كغلام يتيم يعي معنى الفقد ، نحيت الطاولة جانباً واقتربت منه، وودت ان احتضنه، لكني خشيت عيون المتطفلين التي طلت علينا قلياً، ثم ولت مدبرة
جذبتني طفلتي نور من ظهري، فالتفت ،فإذا زوجتي على ناصية الشارع تنتظر، ربت على كتفيه، وحين هممت أن أغادر ، وقد أمسكت نور بكفي ، وسرنا قليلاً للأمام، تركت نور كفي وعادت وقالت في أسى: انت بتعيط ليه يا عمو
فأجابها وقد تحول البكاء لابتسامة حزن عميقه : "عشان ابوكي صديقي خرجني من الجنة"